عبد الله بن معتز بن متوكل بن معتصم بن هارون الرشيد
19
طبقات شعراء المحدثين
والجمل والديار والقفار والمنازل الخالية المهجورة ؛ ولا إذا عدل عن ذلك وأحسن قيل له مسيء ، ولا أن يغمط « 1 » حقّه كلّه إذا أحسن الكثير وتوسّط في البعض وقصّر في اليسير ، وينسب إلى التقصير في الجميع ، لنشر المقابح وطيّ المحسن . فلو شاء أن يفعل هذا كلّ أحد بمن تقدم لوجد مساغا . ولو أنّ قائلا أراد الطعن على صدور الشعراء ، لقد رأى أن يطعن على الأعشى - وهو أحد من يقدّمه الأوائل على سائر الشعراء - بقوله : « فأصاب حبّه قلبه وطحالها » . وبقوله : ويأمر لليحموم كلّ عشيّة * بقتّ وتعليق فقد كاد يسنق « 2 » الطّعن بأهل الفضل وأمثال لهذا كثيرة . وإنما على الإنسان أن يحفظ من الشيء أحسنه ، ويلغي ما لم يستحسنه ، فليس مأخوذا به . ولكنّ أقواما أرادوا أن يرفعوا أنفسهم الوضيعة ، ويشيدوا بذكرهم الخامل ، ويعلوا أقدارهم الساقطة بالطعن على أهل الفضل والقدح فيهم ، فلا يزدادون بذلك إلّا ضعة ، ولا يزداد الآخر إلّا ارتفاعا . ألا ترى إلى ابن المعتزّ قد قتل أسوأ قتلة ، ودرج فلم يبق له خلف يقرّظه ولا عقب يرفع منه ، وما يزداد بأدبه وشعره وفضله وحسن أخباره وتصرّفه في كلّ فن من العلوم إلّا رفعة وعلوّا . ولا نظر إلى أضداده كلّما ازدادوا في طعنه وتقريظ أنفسهم وأسلافهم الذين كانوا مثلهم في ثلبه والطعن عليه ، زادوها سقوطا وضعة ، وكلّما وصفوا أشعارهم وقرّظوا آدابهم ، زادوا بها ثقلا ومقتا . فإذا وقع عليهم المحصّل الموافق ، عدلوا عن ثلبه في الآداب ، إلى التشنيع عليه بأمر الدين وهجاء آل أبي طالب ، وهم أوّل من فعل ذلك وشنّع به على آل أبي طالب عند المكتفي حتى نهاهم عنه ، فعدّلوا عن عيب أنفسهم بذلك إلى عيبه ، وارتكبوا أكثر منه . وأنا أذكر ذلك بعقب أخبار عبد اللّه ، مصرّحا به على شرح إن شاء اللّه تعالى . هو وصناعة الموسيقى وكان عبد اللّه حسن العلم بصناعة الموسيقى ، والكلام على النغم وعللها . وله
--> ( 1 ) غمط حقّه : جحده ، وغمطه : احتقره وازدرى به . ( 2 ) اليحموم : اسم فرس - القتّ : حبّ برّي يأكله أهل البادية بعد دقّه وطبخه ، الواحدة قتّة - التعليق : ما تعلقه الدّابة من شعير ونحوه - يسنق : يأكل حتى يصيبه كالبشم .